فخر الدين الرازي
182
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
أهل الذمة من أهل الكتاب . الثاني : قال الحسن : هم المعاهدون من الكفار . ثم قال تعالى : فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ أي فعليه ذلك بدلا عن الرقبة إذا كان فقيرا ، وقال مسروق إنه بدل عن مجموع الكفارة والدية ، والتتابع واجب حتى لو أفطر يوما وجب الاستئناف إلا أن يكون الفطر بحيض أو نفاس ، وقوله : تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ انتصب بمعنى صيام ما تقدم ، كأنه قيل : اعملوا بما أوجب اللَّه عليكم لأجل التوبة من اللَّه ، أي ليقبل اللَّه توبتكم ، وهو كما يقال : فعلت كذا حذر الشر . فان قيل : قتل الخطأ لا يكون معصية ، فما معنى قوله : تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ . قلنا فيه وجوه : الأول : أن فيه نوعين من التقصير ، فان الظاهر أنه لو بالغ في الاحتياط لم يصدر عنه ذلك الفعل ، ألا ترى أن من قتل مسلما على ظن أنه كافر حربي ، فلو أنه بالغ في الاحتياط / والاستكشاف فالظاهر أنه لا يقع فيه ، ومن رمى إلى صيد فأخطأ وأصاب إنسانا فلو احتاط فلا يرمي إلا في موضع يقطع بأنه ليس هناك إنسان فإنه لا يقطع في تلك الواقعة ، فقوله : تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ تنبيه على أنه كان مقصرا في ترك الاحتياط . الوجه الثاني في الجواب : أن قوله : تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ راجع إلى أنه تعالى أذن له في إقامة الصوم مقام الاعتاق عند العجز عنه ، وذلك لأن اللَّه تعالى إذا تاب على المذنب فقد خفف عنه ، فلما كان التخفيف من لوازم التوبة أطلق لفظ التوبة لا رادة التخفيف إطلاقا لا سم الملزوم على اللازم . الوجه الثالث في الجواب : أن المؤمن إذا اتفق له مثل هذا الخطأ فإنه يندم ويتمنى أن لا يكون ذلك مما وقع فسمى اللَّه تعالى ذلك الندم وذلك التمني توبة . ثم قال تعالى : وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً والمعنى أنه تعالى عليم بأنه لم يقصد ولم يتعمد حكيم في أنه ما يؤاخذه بذلك الفعل الخطأ ، فان الحكمة تقتضي أن لا يؤاخذ الإنسان إلا بما يختار ويتعمد . واعلم أن أهل السنة لما اعتقدوا أن أفعال اللَّه تعالى غير معللة برعاية المصالح قالوا : معنى كونه تعالى حكيما كونه عالما بعواقب الأمور . وقالت المعتزلة : هذه الآية تبطل هذا القول لأنه تعالى عطف الحكيم على العليم ، فلو كان الحكيم هو العليم لكان هذا عطفا للشيء على نفسه وهو محال . والجواب : أن في كل موضع من القرآن ورد فيه لفظ الحكيم معطوفا على العليم كان المراد من الحكيم كونه محكما في أفعاله ، فالأحكام والأعلام عائدان إلى كيفية الفعل واللَّه أعلم . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 93 ] وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً ( 93 ) اعلم أنه تعالى لما ذكر حكم القتل الخطأ ذكر بعده بيان حكم القتل العمد ، وله أحكام مثل وجوب القصاص والدية ، وقد ذكر تعالى ذلك في سورة البقرة وهو قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى [ البقرة : 178 ] فلا جرم هاهنا اقتصر على بيان ما فيه من الإثم والوعيد ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : استدلت الوعيدية بهذه الآية على أمرين : أحدهما : على القطع بوعيد الفساق . والثاني : على خلودهم في النار ، ووجه الاستدلال أن كلمة « من » في معرض الشرط / تفيد الاستغراق ، وقد استقصينا في